Literaische Brücke

د. صالح خليل سروجي




ملحمة المهزومين: محمود درويش في مواجهة هوميروس

بقلم د. صالح خليل سروجي، ربيع 2016

 في كتابها الأول وتحت عنوان "المشهد الأندلسي للشاعر محمود درويش"، وكما كنتُ قد نوهتُ وقتها في مقدمة ذلك الكتاب الذي صدر في ربيع عام 2015، قامت الدكتورة رابعة حمو بتحليل قصائد "أحد عشر كوكباً"  بالاتكاء على النظرية السيميولوجية وبالتالي على نظريات التناص النقدية المختلفة في الأدب الحديث، كما وسلطت الضوء  باسهاب على "مفهوم الهوية والغيرية" لشعر درويش في هذا الديوان.

في هذه الدراسة تستمر د. حمو برحلة البحث الجدية والمتشعبة والمشوقة، والتي كانت قد بدأتها بكتابها الأول الذي ذكرناه أعلاه، عن أبطال درويش المهزومين ولكن المنتصرين بالحلم وبالمجاز على أرض فلسطين وفي فضاء القصيدة الدرويشية.

 

وكانت قد قسمت دراستها هذه الى جزئين: في الفصل الأول "الملحمة كوسيلة تعبير عن الهوية الوطنية" تتطرق د. حمو الى مواضيع عامة، من الناحية النظرية، بمجال الملحمة الشعرية، وكذلك الى دور الشعر الملحمي في الشعر المعاصر، والى عنصر التاريخ كصائن للذاكرة. كما وتشير أيضاً الى مصادر الشعر الملحمي والى مفهوم النبوءة في الشعر، وتلجأ بالمحصلة في احدى نقاط هذا الفصل الى أن استخدام محمود درويش للشعر الملحمي ، وبالذات في دواوينه الأربعة، ("هي أغنية، هي أغنية"، "ورد أقل"، "أرى ما أريد"، وَ "أحد عشر كوكبا")، هو "تعبير درويشي منفرد في الشعر العربي الحديث". وفي هذا السياق يقول درويش في احدى مقابلاته: "هذه الدواوين تؤسس لمشروع أطمح في تحقيقه. وهو مشروع الملحمة حيث ينفتح الشعر على أفق التاريخ. يكون الأول رافداً للثاني والثاني داعماً للأول".

 في هذه الدراسة تبذل د. حمو جهداً علمياً راقياً من أجل ايصال رسالتها في هذا العمل للقارئ من خلال طرحها لأسئلة مهمة والاجابة عليها بنفس الوقت، مثل:

في أي من الدواوين ظهر النفس الملحمي عند درويش؟

ولماذا اختار درويش فن الملحمة كوسيلة للتعبير عن الهوية الوطنية، وكيف وظّف الملحمة في شعره وكيف نستدل عليها؟

وفي هذا الفصل أيضاً تتطرق د. حمو الى موضوع متميز وفريد من نوعه، سأعود إليه لاحقاً، ونادراً ما تطرق اليه النقاد في معالجتهم لشعر محمود درويش، تحت عنوان: "محمود درويش في مواجهة هوميروس".

أما في الفصل الثاني من هذا الكتاب والذي يحمل عنوان "مصير الهوية الفلسطينية"  تركز د. حمو على خصائص الهوية الفلسطينية للشعب الفلسطيني مثل أصالتة وسلميتة وموروثاته الحضارية والدينية والثقافية. كما تؤكد الباحثة في مكان آخر من هذه الدراسة على جذور هوية الشعب الفلسطيني في وطنه من خلال التنويه إلى دور اللغة بهذا المجال وإلى علاقة الفلسطيني الحميمة بأرضه وحبه لها وتمسكه بها. وفي القسم الأخير من الفصل الثاني تشير د. حمو إلى الرموز التي تدل على الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني.

 

ولكن ما هو الجديد وما الذي يستوقفنا في هذه الدراسة الخاصة والجديرة بالاهتمام؟  ليس موضوع الملحمة الشعرية عند درويش ما تسلط الضوء عليه الباحثة هنا، فهذه الفكرة تطرق إليها العديد من الباحثين والنقاد. لكن الجديد في كتاب د. حمو بأنها جعلت من محمود درويش شاعراً ملحمياً ووضعته بالوجهة المقابلة لشاعر الأغريق هوميروس الذي كان قد كتب ملاحم النصر. واعتمدت د. حمو في بحثها وتحليلها لوجهة النطر هذه، بمهارة واتقان، على رغبة درويش التي صرح بها في أكثر من مناسبة بأن يقف على الضفة الأخرى وجهاً لوجه أمام هوميروس، وبالمعاكس له، ليكتب ملحمة الهزيمة كشاعر طروادي، ليكتب ملحمة شعبه، ملحمة المهزومين، حتى لا تتبخر دموعهم، كما قال هو، وحتى يُؤرخ تاريخ هذا الشعب بسلاحه البلاغي على أرض قصيدته الباقية في ذاكرة التراب وشجر الزيتون والبحر والهوآء النقي.

 

نعم هذا هو الجديد في هذه الكتاب القيّم للدكتورة حمو، والجدير بالاعجاب والتقدير العاليين، بأنها جعلت من شاعر فلسطين شاعراً ملحمياً انسانياً وكونياً، معتمدةً بذلك على قدرة تحليل أكاديمية راقية.

الباحثة والدكتورة رابعة حمو أعادت وتعيد في هذا الكتاب النادر الشيّق محمود درويش من غيابه، حاضراً في الوقت والقصيدة. كأنه لم يَغِب...كأنّهُ هنا!

صالح خليل سروجي

كاتب ومحاضر – جامعة بايروت - ألمانيا 

Email: saleh@saleh-srouji.de



2015


   L’Epilouge Andalou de Mahmoud Darwich 

"المشهد الأندلسي للشاعر محمود درويش"

بقلم: د. صالح خليل سروجي، ربيع 2015

صدر قبل عدة أيام في باريس كتاب نقد أدبي باللغة الفرنسية للدكتورة الباحثة رابعة حَمو بعنوان"المشهد الأندلسي للشاعر محمود درويش" عن دار النشر ليه فوايير دي مير في فرنسا، والكتاب من الحجم المتوسط ويحتوي على 240  صفحة

الكاتبة والناقدة الفلسطينية رابعة حمو من مواليد مدينة دمشق، وأصل عائلتها من مدينة يافا. حصلت د. حمو على لقب الدكتوراة من جامعة السوربون في باريس، وتعمل حالياً كمحاضرة للّغة العربية وآدآبها في في المعهد العالي للّغات والحضارات انالكو في باريس، وهي متخصصة للأدب العربي الحديث عامةً والأدب الفلسطيني بشكل خاص.

إن التقسيم العام للكتاب هو كالتالي:  كلمة وتمهيد وتحليل وخاتمة.

كلمة: للفليسوف الفرنسي ايف لوتورنور.

المقدمة: للكاتب والمحاضر صالح خليل سروجي من جامعة بايروت في ألمانيا.

التمهيد ينقسم الى جزئين:

الأول: بعنوان التطور التاريخي للشعر الفلسطيني منذ النكبة عام 1948 وحتى الانتفاضة الأولى 1987.  الثاني:  مقدمة عن الشاعر محمود درويش.

التحليل: يتناول الكتاب تحليلاً للقصائد الست لديوان أحد عشر كوكبا للشاعر محمود درويش على ضوء المنهج التّناصّي.


وفي هذا السياق قسَّمت الدكتورة حمو باب التحليل الى فرعين رئيسيين: في القسم الأول تقوم د. حمو بتحليل قصائد محمود درويش في ديوانه أحد عشر كوكباً، والصادر عام 1992، بالإتّكاء على النظرية السيمولوجية وبالتالي على نظريات التناصّ النقدية المختلفة في الأدب الحديث، والتي شكّلت بنهاية الستينات من القرن الماضي المرجع الأساسي  للدراسات السيميائية للشعر. ومن رواد هذه النظريات، نخص بالذكر، الناقدة البلغارية الفرنسية جوليا كرستيفا، والنقاد رولان بارت، جيرارد جانيت، ميخائيل باختين وغيرهم.

أما في القسم الثاني من الدراسة تُسلِّط د. حَمو الضوء على "مفهوم الهوية والغيريّة" لشعر درويش في الديوان المذكور أعلاه، مُنوّهةً الى عدة مواضيع بسياق تحليلها للقصائد، مثل علاقة التاريخ بالشعر، فقدان الأرض وصورة الهوية المفقودة،  قضية المنفى والشتات وأبعادها النفسية على الانسان الفلسطيني، صراع الأنا والآخر من خلال تصوير علاقة حب لم تكتمل بسبب تشويه المكان والزمان، التركيز على المشاعر الانسانية وتضاربها، اختلاط الأزمنة وتداخلها ببعض، ومأساة فلسطين التي تحتل المكان الرئيسي في هذا الديوان، وكذلك سؤال الهوية العربية المُهدَّدة بالضياع في العصر الحديث.

 ورؤية درويش للمستقبل هو ضياع الهوية الفلسطينية لأرض فلسطين كما ضاعت الهوية العربية والاسلامية للاندلس وضياع الهوية عند الهنود الحمر. وهذا يُذكِّرنا بالدور المهم الذي يحتله الشاعر في الشعر العربي منذ العصر الجاهلي. فقد أُعتُبر الشاعر كالنبي في قبيلته والرائي لمستقبلها، ومحمود درويش ليس استثناءاً عن هذه القاعدة، فقيمته الادبية تشبه الى حد كبير دور اجداده الشعراء في العصر الذهبي للشعر، حيث كان الشاعر مُعبّراً عن هويتهم مُتبصِّراً لمستقبلهم ومُبشِّراً لانتصاراتهم أو مُحذِّراً لهزائمهم.

إن أهمية هذه الدراسة الاكاديمية تنبع بالدرجة الأولى بكونها من الدراسات النقدية الأدبية النادرة، ولربما الوحيدة، في الساحة الفرنسية والتي تعالج شعر محمود درويش بشكل تفصيلي ومُتشعِّب الاتجاهات. لا تعتمد د. حمو في تحليلها لقصائد درويش فقط على الادوات العلمية والتقنية المحضة،  والتي تستعملها بمهارة وقدرة بارزتين، انما تغوص عميقاً في النصوص الشعرية وفي دهاليز المعنى المقروء والمستتر، تكشف باسهاب عن تداخل الاصوات المختلفة في القصائد، تبحث عن النص داخل النص وتشير الى أوجه التشابه، أي التفاعل النصّي، ولكن بنفس الوقت تُخرِج النصّ "الدرويشي" من لعبة التّناصّ وتشير الى صوته الخاص والمُتميز في التعبير عن الهمّ الوجودي للانسان الفلسطيني، وخصوصاً في هذا الديوان، بلغة شعرية أشبه بالملاحم التراجيدية اليونانية القديمة.

ومن خلال اعتمادها على نظريات التناصّ تشير د. حَمو الى العلاقة الجدلية لفهم شعر محمود درويش من خلال ربطها لتداخل المستويات الفنية والتاريخية والنفسية والاجتماعية والسياسية المختلفة فيما بينها وانسجامها مع بعض في كلٍّ متكامل.

 وبهذا تُقيّم عمل درويش هذا بموضوعية وتضعه بالفعل وبصدق في عداد الشعر العالمي الذي اخترق حدود الجغرافيا وحدود التاريخ ليصبح إرثاً حضارياً انسانياً.

فتصبح فلسطين عند درويش، كقطعة فسيفساء، هي النصّ:  د. حَمو تُنوِّه الى هذا البعد بلغة أكاديمية راقية وشاعرية، وتنفخ فيه حسّاً مرهفاً، وبِتمكُّن من أدواتها العلمية، دون الخلط مع المشاعر الذاتية والانتماء الشخصي. ومن خلال القراءة المُتمحِّصة لدراسة الدكتورة حَمو يتضِّح للقارىء مدى وعيها لهذه الاشكالية الحسّاسة، المُنوّه اليها، وقدرتها الاكاديمية العالية في اظهار البعد الفني والجمالي لشعر درويش في هذا الديوان. وبهذا تربط د. حمو في تحليلها الشَّيِّق بين العام والخاص في شعر درويش: فهي تُحلِّل وتشرح للمُتلقّي بأن: "الأنا-الكاتب" ما هو الا  صوت ال "الأنا- القارىء" الواعي، برغم اختلاف المرجعية الثقافية لكليهما، وهذا يعني، "ال- "نحن الجماعية"، وبالتالي تَتَداخل الذاكرة الفردية للكاتب وللقارىء، على حدٍ سَواء، مع الذاكرة الجماعية، التي تَتَّخِذ بالمُحصِّلة شكل الحنين الى الماضي "والفردوس المفقود" -  فلسطين التاريخ والأرض.

و"الدكتورة حَمو-القارئة" لشعر درويش تصبح جزءًا فاعلاً من "لعبة" التناصّ التي استخدمتها في دراستها: فهي القارئة-الناقدة-الكاتبة، نعم هي هذا المثلث المتناسق، ومن خلال هذه الميزات المجتمعة في شخصها تصبح هي النص، بنفسها، من خلال عملية التماهي مع النصوص الشعرية ومحاكاتها، وبهذا تُوصل في هذا العمل الجدّي شاعرية درويش العالية الى القراء وتصبح بهذا صوت الشاعر- الكاتب-الكاتبة وصدىً للمشهد الأندلسي وصدىً أميناً للملحمة الدرويشية.

 في احدى قصائده قال محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة "

وهنا أعتذر للشاعر وأقول:

هذا الكتاب القيِّم للدكتورة حَمو جدير بالقراءة ويستحقّ الحياة...

صالح خليل سروجي

كاتب ومحاضر – جامعة بايروت - ألمانيا

Email: saleh@saleh-srouji.de


بقلم: د. صالح خليل سروجي

كاتب ومحاضر – جامعة بايروت - ألمانيا

Email: saleh@saleh-srouji.de


حوار بين شاعر وفنانة خلف الظلال

مساء الخير صالح

ما رأيك باللوحة التي أرسلتها

لك على شكل بطاقة؟

الى لقاء ما دامت الرغبات تثمر

دلال



اللوحة للكاتبة والفنانة دلال مقاري